الشيخ محمد رشيد رضا

132

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

قال الأستاذ الامام قوله « وَاتَّقُوا النَّارَ » الخ وعيد للمرابين بجعلهم مع الكافرين إذا عملوا فيه عملهم وفيه تنبيه إلى أن الربا قريب من الكفر . وهذا القول بعد قوله « وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ » تأكيد بعد تأكيد ثم أكده أيضا بالأمر بطاعته وطاعة الرسول فمؤكدات التنفير من الربا أربعة . وقد قلنا من قبل إن مسألة الربا ليست مدنية محضة بل هي دينية أيضا والغرض الديني منها التراحم المفضى إلى التعاون فالمقرض اليوم قد يكون مقترضا غدا ، فمن أعان جدير بان يعان . ثم ذكر جزاء المتقين بعد الأمر المؤكد باتقاء النار اتباعا للوعيد بالوعد وقرنا للترهيب بالترغيب كما هي سنته فقال ( وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) المسارعة إلى المغفرة والجنة هي المبادرة إلى أسبابها وما يعد الانسان لنيلها من التوبة عن الاثم كالربا والاقبال على البر كالصدقة . وقرأ نافع وابن عامر « سارعوا » بغير واو . والمراد بكون عرض الجنة كعرض السماوات والأرض المبالغة في وصفها بالسعة والبسطة تشبيها لها بأوسع ما علمه الناس وخص العرض بالذكر لأنه يكون عادة أقل من الطول . وقال البيضاوي : ان هذا الوصف على طريقة التمثيل . وقال في قوله « أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ » : هيئت لهم وفيه دليل على أن الجنة مخلوقة وأنها خارجة عن هذا العالم . اه وهو ما احتج به الأشاعرة على من قال من المعتزلة إنها ليست بمخلوقة الآن كما في كتب العقائد . قال الأستاذ الامام : وقد اختلفوا في الجنة هل هي موجوة بالفعل أم توجد بعد في الآخرة ولا معنى لهذا الخلاف ولا هو مما يصح التفرق واختلاف المذاهب فيه . ثم وصف المتقين بالصفات الخمس الآتية فقال : 1 - ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ) أي في حالة الرخاء والسعة وحالة الضيق والعسرة كل حالة بحسبها كما قال تعالى في بيان حقوق النساء المعتدات ( 65 : 7 لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها ) والسراء من السرور أي الحالة التي تسر والضراء من الضرر أي الحالة الضارة وروى عن ابن عباس تفسيرهما باليسر والعسر وقد بدأ وصف المتقين بالانفاق لوجهين‌أحدهما ) مقابلته بالربا الذي نهى عنه في الآية السابقة فان الربا هو استغلال الغنى حاجة المعوز وأكل ماله